م.ف

Water2

(١)

في أخر يوم من شهر يناير الذي يُصادف يوم الخميس، وتحديدًا الساعة السابعة ليلاً، كنت أحفظ صفحة من القرآن الكريم نظرًا لأن الساعة الثامنة ستبدأ المحاضرة لكي أسمّع. فأحضر الجامعة قبل المحاضرة بساعة ونصف تقريباً لكي أحفظ جيدًا، وأنا في إحدى الممرات في الكلية وبيدي المصحف أغلقه وأسمّع لنفسي لفت نظري لوحة لمكتب يُدعى: د.محمد بن فهد الفريحي! وقفت ساكنًا قليلاً وأتذكر وأتذكر وإلا بنفس إسم صديقي الصدوق في مرحلة المتوسطة! جلست قليلاً في الممر وأتساءل “معقولة صار دكتور؟ لا مستحيل! حتى بكالوريوس ماخلصه أصلاً! ههههههه.” وإلتقطت صورة عبر هاتفي للوحة وتأملتها قليلاً وأتذكر هذا الصديق والأيام الجميلة وبراءة طفولتنا في ذلك المرحلة وقصة إفتراقنا الساذجة فمنذ عام ٢٠١٢م لم آراه ولم أسمع عنه الا مره واحدة من أخي نظرًا بإنه صادفه في إحدي الملاعب كرة القدم قبل سنتان من الآن.

ففي الساعة السابعة والربع تقريباً بحثت عن إسمه عبر منصة “التويتر” ووجدته وأرسلت له صورة اللوحة وتركت له عبارة تمنيت بأنه بصحة وعافية وبحياة سعيدة، رد علي بعد نصف ساعة بكمية من الرسائل والاسئلة بأنه هو أنت فيصل الذي كان معي بالمتوسطة الفلانيه؟، فكان مذهول ومصدوم فرحًا برسالتي فنحن كنّا في فتره ما أقرب أخوين إلى بعض لكن “التفاصيل الصغيرة” أثرت بنا وأبعدتنا، فكان الأحاديث في الرسائل الخاصة عبر “التويتر” ذلك اليوم كثيره جدًا وقررنا بأننا نصمت لكي نتكلم بها في أقرب لقاء بيننا، تذهب الأيام وتذهب وتذهب ونتحدث بين فتره وفتره ونأجل كثير نظرًا لظروفي وظروفه ونظرًا لذلك بأنني أحتاج أكون جاهز جدًا لهذا اللقاء العظيم.

وفي يوم الخامس عشر من يونيو الحالي الذي يُصادف يوم السبت، صحيت الساعة العاشرة صباحًا، قرأت بعض الصفحات من كتاب “أغرب الحكايات في تاريخ المونديال” للكاتب: لوثيانو بيرنيكي، والذي تتحدث عن كل مرحلة من مراحل كأس العالم بما فيها من مواجهات لا تنسى وذكر أهم النجوم والأرقام القياسية، وأبرز الغرائب والقصص الطريفة والمدهشة أيضًا، وأهم الأعمال البطولية المشبعة بالشغف، والتي تظهر الجانب الإنساني في الكرة القدم. خرجت من البيت في الساعة الثالثة عصرًِا، لبحث عن مقهى لم أجربه نظرًا لأنني مللت من المقاهي الذي أذهبها شبه يومي، بحثت عبر تطبيق “فورسكوير” عن المقاهي التي تُقدم قهوة مختصة لإنني أهتم بها كثيرًا وكذلك لإن أكثرها محلية سعودية ١٠٠٪ وقد لا تكون مشهورة والأهم بإن يقدمون قهوة تُكسب زبائن لهم، ووجدت هكذا مقهى وفي منطقة بعيدة عن بيتي وأبحث أيضًا عن مصرف قريب منه لكي أودع بعض من المال، وها أنا أقود على تطبيق “قوقل ماب” عبر هاتفي والذي يتصل إلى الشاشة التي داخل سيارتي ووجدت هكذا مصرف قريب من المقهى الجديد الذي سأجربه لكن تحويلات الطرق والحفريات أضعني كثيرًا وتأخرت وأنا أذهب من طريق وأرجع من طريق ويُعيقني الأرصفة وإزدحام السيارات، لكن وصلت وأودعت مالي، وذهبت بعدها إلى المقهى.

دخلت المقهى فأنصدمت من صغر المكان وأنصدمت أكثر من الزاوية الصغيرة للأفراد وباقي المقهى حرفياً جميعهم نساء! عكس تماماً الصور الذي شاهدتها في عبر التطبيق والذي أيقنت تماماً بعدها بأن الصور تخدع.

يأست قليلاً من الطرق ومن الأجواء الحارة في مدينة الرياض، لكن وجدت خدمة جميلة من المقهى بأنهم وضعوا إناء من الماء وبجانبه أكواب من الورق الكرتوني الذي أخذ مني وقت طويل لكي أفك كوب واحد منها، وعلى يميني قمامة وعلى يساري شخص طويلاً ينتظر أفك كوبي والذي يبدوا لي قد تضايق من تأخري من الفك، سكبت بعدها الماء وبعد مافعلت مايجب علي فعله أعتذرت منه ونظرت إليه وإلا بصديقي محمد الفريحي!

في الحقيقة عزيزي القارئ والقارئة الكيبورد يعجز وصف ذلك الموقف والشعور أثناء مقابلتي له، لكن أكتفي بالعناق العظيم التي أتى بعد فراق ثمانية سنوات تقريباً، خرجنا من المقهى وجلسنا وكان برفقة صديقة “السمي” فيصل الرشيد وكان حسن الصديق لأخي محمد، وعلى وقت العصر وبهذه الأجواء والحرارة والشمس المبتسمة أمامنا إلا جلسنا خمسة ساعات تقريباً، إسترجعنا أكثر الذكريات التي جمعتنا في مرحلة المتوسطة وكانت جميعها بسنة واحدة فقط لأن السنة التي بعدها إنتقل إلى مدرسة أخرى.

أدركت تمامًا بإن التفاصيل الصغيرة التي فرقتنا، ها هي كذلك جمعتنا مرة أخرى ببدايةً من لوحة في إحدى الممرات، إلى تأخري للذهاب إلى المصرف، ومن ثم الوصول إلى المقهى لكي ينتهي المطاف بأنني سوف أخرج لكن بعد كوبًا من الماء وتأخري بفكها وإنتظار شخص آخر برمي العلبة التي بيده لكن يُعيقه شخص ينتظر الفرصة لكي يجهز لقاء بينهما لم يكن بالحسبان.

إتفقنا بمشيئة الله سوف نتقابل كل فتره وفتره قصيرة، وأبعدنا الله عن الفراق.

(١): صورة من موقع “فورسكوير”.

17 رأي حول “م.ف”

  1. يا الله، هذا اروع شيء قرأته اليوم.. ما اسميها صدف اذا تكررت اكثر من مره، أحسها ترتيب إللهي، عطايا مدهشة حان ظهورها، تستحق 💌

    Liked by 1 person

        1. لا يا آنسة أفنان، فأكسير البن لديهم قسم مخصص للأفراد وكذلك يوجد قسم آخر للعوائل،
          المقهى الذي ذهبته جدًا صغير لكن جزء كبير منه من المقاعد مخصص للنساء وجزء صغير جدًا للأفراد.

          Liked by 1 person

  2. عجيبة التفاصيل الصغيرة، تفرّق وتجمع بعد مشيئة الله، تأخذها اليوم بجدية وعندما تتجاوزها تأخذها بعفويّة تامة. الله يخليكم لبعض 🙂

    Liked by 1 person

  3. ما أجمل الصدف مثيلات هذه))))):
    أسلوبك في الكتابة جاذب، قلّما أدخل مدونة شخص وأقرأ كل المقالات.
    البساطة والبُعد عن التكلف، وحتى إدخال عبارات عاميّة في وسط الكلام، كلها تعطي أسلوبك تفرّد خاص بك.

    Liked by 1 person

    1. أهلاً أهلاً
      شكرًا جزيلاً على تزويدك لي بالطاقة الإيجابية، لأنني حرفيًا أحتاجها منذ وقت طويل!
      البساطة هي سهلة وجميلة، لكن قد لا يكون مرغوب بها في هذا التوقيت، فالأغلبية يُفضلون المظاهر والمظاهر صعبة تكتشفينها لو كانت متصنعة او حقيقة.
      أنا أحب الكتابة، و فعلاً بسيط جدًا في كتاباتي، لإنها مجرد توثيق لحدث ما، وأعلم أن ينقصني الكثير في الكتابة كالتشويق مثلاً، وها أنا احاول التطور يومًا بعد يومًا. دعواتك.

      إعجاب

      1. إذا التطور -الذي تزعم- معناه تغيّر أسلوبك لا تتطور رجاءً:)
        هذا أولًا، ثانيًا بالعكس أحس توثيقك لحدث حقيقي مثل هالنص بحدّ ذاته مشوّق!
        بالتوفيق إن شاء الله.

        Liked by 1 person

        1. لا إن شاء الله تفاءلي بالإيجابية، الذي فهمته من حديثك بأن قد يكون تطوري سلبي ولا بأس وأتفق معك بأن بالحياة يوجد تطور إيجابي ويوجد تطور سلبي أبعدنا الله عنه
          لكن لو شعرت يومًا بأن تطوري كان سلبي لي في الكتابة وللقارئ فلن أكتب. فما يجمل الكتابة هو البساطة بكل إختصار.
          شكرًا جزيلاً على هذه الإيجابية، وياك يارب.

          Liked by 1 person

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s